ابن عبد البر
13
الدرر في اختصار المغازي والسير
الذين اشتهروا بالدقة والتحري والتثبت وأنه كان حاذقا بعلم الأنساب ومعرفة الأصحاب وضبط أسمائهم على وجهها الصحيح اتضحت قيمة هذه السيرة ، وهو نفسه يحدثنا أنه لم يكتف إزاء كتاب موسى بن عقبة وسيرة ابن إسحاق برواية واحدة ، بل استعان برواياتهما المختلفة على المقارنة والموازنة ، وأضاف إلى ذلك كتابات الواقدي وابن أبي خيثمة وروايات شيوخه للحديث ، ونفذ من كل ذلك إلى وضع سيرة نبوية وثيقة . وقد يبتدئ بعض فصول الكتاب دون سند ، وكأنه يورد حينئذ ما استقر عليه رأيه بعد طول النظر والفحص والمراجعة والمقارنة . ونراه ينثر بعض آراء له في جوانب السيرة ، وهي آراء علم من أعلام الفقه والحديث ، ولذلك كان لها وزنها الكبير مهما خالفت ما ذاع واشتهر ، على نحو ما يلقانا في حديثه عن أوائل السابقين إلى الإيمان باللّه ورسوله فقد ذكر من بينهم السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق ، وقيد ذلك بقوله : « وهي صغيرة » وفي ذلك ما يخالف المشهور من أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بنى بها في المدينة وهي بنت تسع سنين ، ولا بد أنه ثبت عنده أنها أسلمت في أول البعثة أي قبل الهجرة إلى المدينة بنحو ثلاث عشرة سنة ، مما يقتضى أن تكون سنّها حين البعثة أربع سنوات على الأقل حتى يصدق عليها أنها كانت من أول الناس إسلاما . ومن ذلك أنه ذهب إلى أن فرض صوم رمضان كان في السنة الأولى للهجرة والمشهور أنه كان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة . ومن ذلك ذهابه في حديثه عن مقاسم خيبر وأموالها أنها فتحت جميعها عنوة ، وقد ناقشه في ذلك ابن سيد الناس مناقشة طويلة أثبتنا مجملها في موضعها من الكتاب . ونراه يتوقف عند بعض الأحاديث التي لم تثبت ، ويتّهمها ، من ذلك ما روى عن ابن مسعود من أحاديث عن إسلام الجن وما جاء في بعضها من وضوء الرسول بالنبيذ ، إذ لم يجد ماء ، فقد قال : « هذا الخبر عن ابن مسعود متواتر من طرق شتى حسان كلها ، إلا حديث أبي زيد عن ابن مسعود الذي فيه ذكر الوضوء بالنبيذ ، فإن أبا زيد مجهول لا يعرف في أصحاب ابن مسعود ، ويكفى في ذكر الجن ما في سورة الرحمن وسورة ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) وما جاء في الأحقاف : قوله : ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) الآيات - . وهو بذلك يريد التمسك بنص القرآن الكريم دون زيادة عليه . ومما يصور دقته وتحريه ، قوله في غزوة بنى المصطلق أو المريسيع : « وفي